محمد حسين الذهبي

421

التفسير والمفسرون

فعل الكلام إلى آلة ؛ لأنه لو كان بهذه الصفات - تعالى عنها - لما جاز أن يخاطب اثنين في وقت واحد بمخاطبتين مختلفتين ؛ ولكان خطاب بعض الناس يشغله عن خطاب غيره ، ولكانت مدة محاسبته للخلق على أعمالهم طويلة غير قصيرة ، كما أن جميع ذلك واجب في المحدثين الذين يفتقرون في الكلام إلى الآلات - وثالثها : ما ذكره بعضهم من أن المراد بالآية أنه سريع . العلم بكل محسوب ، وأنه لما كانت عادة بنى الدنيا أن يستعملوا الحساب والإحصاء في أكثر أمورهم ، أعلمهم اللّه تعالى أنه يعلم ما يحسبون بغير حساب ، وإنما سمى العلم حسابا ؛ لأن الحساب إنما يراد به العلم ، وهذا جواب ضعيف ؛ لأن العلم بالحساب أو المحسوب لا يسمى حسابا ، ولو سمى بذلك لما جاز أيضا أن يقال إنه سريع العلم بكذا ؛ لأن علمه بالأشياء مما لا يتجدد فيوصف بالسرعة - - ورابعها : أن اللّه تعالى سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم ؛ وذلك أنه يسأل في وقت واحد سؤالات مختلفة من أمور الدنيا والآخرة ، فيجزى كل عبد بمقدار استحقاقه ومصلحته ، فيوصل إليه عند دعائه ومسألته ما يستوجبه بحد ومقدار ، فلو كان الأمر على ما يتعارفه الناس لطال العدد واتصل الحساب ، فأعلمنا تعالى أنه سريع الحساب ، أي سريع القبول للدعاء بغير إحصاء وبحث عن المقدار الذي يستحقه الداعي . كما يبحث المخلوقون للحساب والإحصاء . وهذا جواب مبنى أيضا على دعوى أن قبول الدعاء يسمى حسابا ، ولم يعهد ذلك في لغة ، ولا عرف ، ولا شرع . وقد كان يجب على من أجاب بهذا الجواب ، أن يستشهد على ذلك بما يكون حجة فيه ، وإلا فلا طائل فيما ذكره . ويمكن في الآية وجه آخر : وهو أن يكون المراد بالحساب محاسبة الخلق على أعمالهم يوم القيامة ، وموافقتهم عليها وتكون الفائدة في الإخبار بسرعته ، الإخبار عن قرب الساعة ، كما قال تعالى ( سَرِيعُ الْعِقابِ ) « 1 » وليس لأحد أن يقول : فهذا هو الجواب الأول الذي حكيتموه وذلك أن بينهما فرقا ؛ لأن الأول مبنى على أن الحساب في الآية هو الجزاء والمكافأة على الأعمال ، وفي هذا

--> ( 1 ) في الآية ( 165 ) من سورة الأنعام .